أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
464
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى « 1 » . وقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شرط حذف جوابه ، تقديره : فالصوم خير لكم . وحذف مفعول العلم : إمّا اقتصارا ، أي : إن كنتم من ذوي العلم والتمييز ، أو اختصارا أي : تعلمون ما شرعيته وتبيينه ، أو فضل ما علمتم . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 185 ] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 185 ) قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ : فيه قراءتان ، المشهورة الرفع ، وفيه أوجه : أحدها : أنه مبتدأ ، وفي خبره حينئذ قولان : الأول : أنه قوله الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ويكون قد ذكر هذه الجملة منبهة على فضله ومنزلته ، يعني أنّ هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن هو الذي فرض عليكم صومه . والقول الثاني : أنه قوله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وتكون الفاء زائدة وذلك على رأي الأخفش ، وليست هذه الفاء التي تزاد في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط ، وإن كان بعضهم زعم أنّها مثل قوله : قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ « 2 » وليس كذلك ، لأنّ قوله : « الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ » يتوهّم فيه عموم بخلاف شهر رمضان . فإن قيل : أين الرابط بين هذه الجملة وبين المبتدأ ؟ قيل : تكرار المبتدأ بلفظه كقوله : 847 - لا أرى الموت يسبق الموت شيء * . . . « 3 » وهذا الإعراب - أعني كون « شهر رمضان » مبتدأ - على قولنا : إن الأيام المعدودات هي غير رمضان ، أمّا إذا قلنا إنها نفس رمضان ففيه الوجهان الباقيان . أحدهما : أن يكون خبر مبتدإ محذوف ، فقدّره الفراء : ذلكم شهر رمضان ، وقدّره الأخفش : المكتوب شهر ، والثاني : أن يكون بدلا من قوله « الصيام » أي : كتب عليكم شهر رمضان ، وهذا الوجه وإن كان ذهب إليه الكسائي بعيد جدا لوجهين ، أحدهما : كثرة الفصل بين البدل والمبدل منه . والثاني : أنه لا يكون إذ ذاك إلا من بدل الإشمال وهو عكس بدل الاشتمال ، لأنّ بدل الاشتمال غالبا بالمصادر كقوله : عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ « 4 » ، وقول الأعشى : 848 - لقد كان في حول ثواء ثويته * تقضّي لبانات ويسأم سائم « 5 »
--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 237 ) . ( 2 ) سورة الجمعة ، آية ( 8 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 217 ) . ( 5 ) انظر ديوانه ( 277 ) ، وهو من شواهد المقتضب ( 1 / 37 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 3 / 65 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 363 ) ، المغني ( 2 / 506 ) ، شواهد المغني ( 879 ) ، رصف المباني ( 423 ) .